ابن بطوطة
16
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
فإذا كان المدّ غلب الماء المالح على العذب وإذا كان الجزر غلب الماء الحلو على المالح فيستسقى أهل البصرة الماء لدورهم ، ولذلك يقال : إن ماءهم زعاق . قال ابن جزي : وبسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيّد وألوان أهلها مصفرّة كاسفة حتّى ضرب بهم المثل وقال بعض الشعراء وقد أحضرت « 62 » بين يدي الصاحب أترجّة للّه أترجّ غدا بيننا * معبّرا عن حال دي عبرة كما كسى اللّه ثياب الضنّا * أهل الهوى وساكني البصرة ! ! رجع ، ثم ركبت من ساحل البصرة في صنبوق « 63 » وهو قارب صغير إلى الأبلة « 64 » ، وبينها وبين البصرة عشرة أميال في بساتين متّصلة ، ونخيل مضلّلة ، عن اليمين واليسار ، والباعة في ظلال الأشجار ، يبيعون الخبز والسمك واللبن والفواكه . وفيما بين البصرة والأبلّة متعبّد سهل بن عبد الله التّسترى فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء ممّا يحاذيه من الوادي ويدعون عند ذلك تبرّكا بهذا الواليّ ، رضي الله عنه ، والنواتية يجدفون في هذه البلاد وهم قيام :
--> ( 62 ) القصد إلى الوزير الصاحب إسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني ، كان من نوادر الزمان علما وفضلا وتدبيرا وجودة رأي ، أستوزره مؤيد الدولة ابن بويّه الديلمي أمير فارس الغربية . . . ولقب بالصاحب لصحبته مؤيّد الدولة من صباه ، ولد في الطالقان ( من أعمال قزوين ) وتوفي سنة 385 995 بالري ، ونقل إلى إصفهان فدفن بها ، له تصانيف جليلة . . . هذا ومن المهم التنبيه على أن الترجمة الفرنسية التي قدمها الاثنان . D . S تضبط التاء في أحضرت بالضم : تاء المتكلم ، فيتر جمانها نتيجة لذلك بما يقتضي أن ابن جزي هو الذي أحضر الأترجه ! مع أن الحقيقة التي تتوافق مع تاريخ ومكان الصاحب تقتضي أن تكون التاء ضميرا للغائب يعود على الأترجه ، وقد تنبه لهذا السّير هاميلتون گيب في ترجمته الإنجليزية . . . ( 63 ) الصنبوق مركب له جؤجؤ ( قيدوم ) Proue ناتئ ، مزود بقلاع مثلث الزوايا كان شائع الاستعمال في الحوض المتوسط والبحر الأحمر - حسن صالح شهاب : المراكب العربية نشر مؤسسة الكويت للتقدم العلمي 1987 ص 49 . ( 64 ) يقول ابن حوقل عن نهر الأبلة الذي يعتبر من أنهار البصرة : إن طوله أربعة فراسخ . . . وعلى جانبي هذا النهر بساتين وقصور متصلة كأنها بستان واحد قد مدت على خيط . . . وكأن نخيلها غرست ليوم واحد . . . ! وكان على ركن الأبلة في دجلة بين يدي نهرها خور عظيم الخطر وماء جسيم دائم الضرر - فكانت السفن تغرق فيه - فاحتالت له بعض نساء بني العباس بمراكب على مقدار معيّن محدد فانسدّ وزال الضرر . . . هذا والأبلّة هي المدينة الرومانية القديمة التي كانت تحمل اسم ( APOLOGOS ) وكانت تحتل موقع حي أعشار للمدينة الحالية : البصرة .